التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السعادة بمفهومها الفلسفي.. لدئ أرسطو

ما هي الحياة الطيبة؟ يجيب أرسطو عن هذا السؤال ببساطة وصراحة فيقول إنها الحياة السعيدة . وهو لا يريد أن يبحث، كما بحث أفلاطون كيف يجعل الناس أخياراً، بل يريد أن يبحث كيف يجعلهم سعداء . وهو يرى أن غير السعادة من الأغراض لا يسعى إليها لذاتها، بل هي وسيلة لغاية . أما السعادة فهي وحدها التي تُبْتغى لذاتها، وثمّة بعض أشياء لابد منها للحصول على السعادة الباقية وهي: المولد الطيب والصحة الجيدة، والوجه الجميل، والحظ الطيب، والسمعة الحسنة، والأصدقاء الأوفياء، والمال الوفير والصلاح . وينقل أرسطو بصراحة يندر وجودها في الفلاسفة جواب سمنيدس لزوجة هيرن إذ سألته: أيهما أفضل الحكمة أو الغنى؟ فقال: الغنى، لأننا نرى الحكماء يقضون أوقاتهم على أبواب الأغنياء، لكن الثروة وسيلة لا أكثر، فهي في حد ذاتها لا ترضي غير البخيل، وإذ كانت الثروة نسبية فإنها لا ترضي إنساناً زمناً طويلاً، وسر السعادة هو العمل أي بذل الجهد بطريقة تتفق مع طبيعة الإنسان وظروفه . والفضيلة حكمة عملية، وهي تقدير الإنسان بعقله لما فيه من خير، وهي في العادة وسط بين نقيضين، والإنسان في حاجة إلى الذكاء لمعرفة هذا الوسط، وإلى ضبط النفس .
ويقول أرسطو في جملة من جمله الشهيرة: إن الذي يغضب مما وممن ينبغي أن يُغْضَبَ منه، ويغضب فوق ذلك بالطريقة الحقّة وفي الوقت المناسب للغضب، ويطول غضبه الزمن الملائم، إن هذا الرجل خليق بالثناء . وليست الفضيلة عملاً بل هي تعوّد عمل الصواب، ولابد أن تُفْرَض في أول الأمر بالتدريب والتهذيب، لأن الشباب لا يستطيعون أن يحكموا في مثل هذه الأمور حكماً صادقاً حكيماً، فإذا مضى بعض الوقت فإن ما كان من قبل نتيجة الإرغام يصبح عادة أي طبيعة ثانية .
ويختم أرسطو هذا البحث عن السعادة خاتمة تناقض أشد التناقض ما بدأه به، وهو قوله إن السعادة في العمل، وإن أحسن حياة هي حياة الفكر . ذلك أن الفكر في رأيه هو الدليل على ما انفرد به الإنسان من تفوّق وامتياز، وأن العمل الخليق بالإنسان هو أن تعمل نفسُهُ بالاتفاق مع عقله . وأسعد الناس حظاً هو الذي يجمع بين قدر من الرخاء وقدر من العلم، أو البحث أو التفكير، والذين يرغبون في اللذة المستقلة يجب أن يطلبوها في الفلسفة لأن غيرها من اللذات يحتاج إلى معونة الإنسان . ويقول أرسطو محاولاً إيضاح فلسفته هنا: لنفرض أن شخصاً يريد أن يتعلم رمي السهام فماذا عليه أن يفعل لتحقيق ذلك؟
1- تثبيت مرمى ليكون هدفاً . 2- وقوفه في موضع أمام الهدف يسمح له بالتصويب، . وهو يقصد أن كل شخص في ما يتعلق بحياته كالرامي أمام المرمى لكنه يرمي إلى ما يراه خيراً له، غير أن هذا الخير لا يمكن إصابته، إذ جهلنا الطرق التي تسمح بالوصول إليه، ومن هنا تتحد غاية الأخلاق فهي لا تعدو كونها إنارة لنا في ما يتعلق بما نريده، وكل الناس، كما يرى أرسطو، متفقون أن الخير هو السعادة . يقول أرسطو: بعض الناس يرى أن السعادة هي في الحياة الحيوانية وذلك هو رأي العبيد ولا يجب أن نُعيره أيّ اهتمام . ويقول: هؤلاء العامة من بني البشر الذين عندما وصلوا إلى القوة والتعظيم استعبدتهم الشهوات كما استعبدت الشهوات سردنبال (شخصية إغريقية يضرب بها المثل في الفجور) .
ويستكمل أرسطو قائلاً: بعض الناس يرى السعادة في الثراء غير أنهم مخطئون، لأن الثراء لا يُطْلب لذاته وإنما لما يحققه، وبعض الناس يرى السعادة في المجد لكن المجد ليس رهن إرادتنا ومع ذلك فإن هؤلاء الذين نالوا المجد هم أحياناً بؤساء . كم من المشاهير يشعرون بآلام مما لا طاقة لهم بها . وبعض الناس يرى أن السعادة هي اللذة وأقول لهم إن الإنسان يرغب في العلم مع اللذة أكثر مما يرغب في اللذة وحدها، إذ إن اللذة ليست هي الخير الوحيد . ثم يقول: لا شك في أن السعادة تستلزم نوعاً من النشاط، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان في سبات ويكون سعيداً، فبدون نوع خاص من العمل لا وجود للسعادة، ولكن، ما هو النوع الخاص من العمل؟ هنا يظهر جوهر الفلسفة الأرسطية . . فكرة المهنة أو الوظيفة: الموسيقي . . النحات . . صانع الأحذية . . النجار . . كل واحد منهم إما أن يحسن عمله وإما أن يسيء إليه، فإن أحسن، كما يقول أرسطو، استحق التوفيق . وداخل الإنسان نفسه أيضاً العين . . اليد . . القدم . . لكل منها وظيفة . ثم يستنتج من هذا السؤال الآتي: هل للإنسان بصفته إنساناً وظيفة خاصة به؟ إذا كان للإنسان وظيفة خاصة به فإنه تبعاً لطريقة تأديتها يكون محسناً أو مسيئاً ويحقق أو لا يحقق جوهره الذاتي . . إن الحياة عند كل إنسان تتمثل في صورتين: حياة نباتية وحيوانية، وحياة عقلية . أما الأولى فهي الأكل والشرب وكل مستلزمات بقاء الإنسان على قيد الحياة والمحافظة على نوعه . أما الثانية فكما يصورها أرسطو هي حياة التأمل أو الحياة الذهنية، وهي التي تجعل الإنسان مختلفاً عن بقية الكائنات، وبالتالي فإن أرسطو يدعونا إلى أن نحيا حياة العقل لأن بها وحدها تنهض الأمم .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر تفسير الحزب الأول... سورة البقرة الجزء الأول

الجزء الأول من القران: هذا الجزء مكون من ثمانية أرباع: - ربع الحزب الأول: يتكلم عن أصناف الناس وكأننا نستعرض الأصناف الموجودة على هذه الأرض والتي سيكلف أحدها بالإستخلاف. - الربع الثاني: أول تجربة إستخلاف على الأرض: آدم عليه السلام. - الربع الثالث إلى السابع: أمة استخلفها الله على هذه الأرض لمدة طويلة وفشلت في المهمة، بنو إسرائيل.  - الربع الثامن والأخير: تجربة سيدنا إبراهيم عليه السلام الناجحة في الإستخلاف.  تجربة سيدنا آدم تجربة تمهيدية تعليمية، وكانت المواجهة بين إبليس وسيدنا آدم عليه السلام لإعلان بداية مسؤولية سيدنا آدم وذريته عن الأرض. ثم بنو إسرائيل: نموذج فاشل، فهم أناس حملوا المسؤولية وفشلوا، وتستمر السورة في ذكر أخطائهم لا لشتمهم ولكن ليقال للأمة التي ستستخلف: تنبهي من الوقوع في الأخطاء التي وقعت فيها الأمة التي قد سبقت في الاستخلاف! وآخر ربع يضرب الله به المثل بالتجربة الناجحة لشخص جعله الله خليفة في الأرض وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام. ويكون الترتيب هذا منطقياً، فبدأَ بآدم التجربة الأولى وختم بالتجربة الناجحة لرفع المعنويات وبينهم التجربة الف...

عدي أوبيهي، رجل واحد لخص حقبة حرجة في تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال

عدي أوبيهي، رجل واحد لخص حقبة حرجة في تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال. بطل مسلسل خمسينات وستينات القرن الماضي. عند اسمه تتقاطع أحداث كبرى هزت تاريخ المغرب، بداية من عد الأنفاس الأخيرة للفرنسيين في المغرب، مرورا بالصراعات على السلطة بين القصر والاستقلاليين والشوريين وزعماء جيش التحرير، وصلا إلى التمهيد لثورة أمازيغية فككت شفرة الاجتياح القومي الناصري للمغرب بداية الستينات. "أوال" تقتحم أسطورة عدي أوبيهي، وتكشف علاقته المثيرة بالاستعمار الفرنسي والقصر ورجال السياسة،وتحكي وقائع الحرب الخفية بين "الأمازيغ" و"الفاسيين".  قصة عدي أوبيهي لها عدة بدايات، ومراحل حياته كلها إثارة. هو كتاب مشوق تحمل تفاصيله الدقيقة حقائق قلبت تاريخ المغرب، بداية من لحظة ولادته بهضاب قصر السوق (الراشيدية)، وتحديدا بقرية "كراندو"، حيث استنشق أول نفحات الانتماء الأمازيغي الجارف، وصولا إلى توليه عاملا على تافيلالت. حيث ستبدأ حكاية أخرى من تاريخ هذا الرجل الأسطوري. في مستشفى المجانين ينتمي عدي أوبيهي إلى أسرة قايدية عريقة حكمت حدود منطقة الراشيدية وتافيلالت برمتها....

أردوغان: كنت خادما للشعب ولم أكن يوما سيدا عليه

أردوغان: كنت خادما للشعب ولم أكن يوما سيدا عليه قال رئيس الوزراء التركي "رجب طيب أردوغان": إن "السياسة هي فن إدارة الشعوب"، مضيفا "لقد خدمت الشعب التركي من عمر 18 حتى وصلت الـ60 بمنطق الخادم، ولم أكن يوما سيدا عليه". جاء ذلك في الكلمة التي ألقاها رئيس الحكومة التركية، مساء اليوم السبت، عقب مشاركته في إفطار نظمته بلدية ولاية "صامصون" شمال تركيا، والتي أوضح فيها أن"خدمة الشعب كانت بمثابة القوة الت ي تميزنا وتفوقنا بها على الآخرين، لأن خدمة الخلق من خدمة الحق، وبخدمتنا لشعبنا تحققت لنا البركة في كل شيء". وقال "تركيا بصدد دخول عهد جديد من خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة التي سيختار فيها الشعب ولأول مرة في تاريخ البلاد رئيسه عبر انتخابات حرة مباشرة"، مشيرا إلى أن "العدالة والتنمية" سيؤكد خلال تلك الانتخابات مدى حجم الفروق الكائنة بينه وبين الأحزاب الأخرى، كما "حدث وأن أثبتنا ذلك في الانتخابات المحلية الماضية". وأضاف قائلا "والانتخابات الرئاسية المقبلة ليست امتدادا للانتخابات المحلية الماضية فحسب، وإنما ست...