التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فكر المستبد...

ما أشبه المستبد في نسبته إِلى رعيته بالوصي الخائن القوي, يتصرف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضِعافاً قاصرين, فكما أنه ليس من صالح الوصي [الفاسد] أن يبلغ الأيتام رشدهم, كذلك ليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم.
لا يخفى على المستبد, مهما كان غبياً, أن لا استعباد ولا اعتساف إِلاَّ ما دامت الرعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء, فلو كان المستبد طيراً لكان خفاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل, ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقف دواجن الحواضر في غشاء الليل, ولكنه هو الإنسان يصيد عالِمَهُ جاهِلُهُ.
العلم قبسة من نور الله وقد خلق الله النور كشافاً مبصراً, ولاَّداً للحرارة والقوة, وجعل العلم مثله وضَّاحاً للخير فضَّاحاً للشر, يولِّد في النفوس حرارة وفي الرؤوس شهامة, العلم نور والظلم ظلام ومن طبيعة النور تبديد الظلام, والمتأمل في حالة كل رئيس ومرؤوس يرى كل سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته.
المستبد لا يخشى علوم اللغة, تلك العلوم التي بعضها يقوِّم اللسان وأكثرها هزل وهذيان يضيع به الزمان, نعم لا يخاف علم اللغة إذا لم يكمن وراء اللسان حكمة حماس تعقد الأولوية, أَو سحر بيان يحل عقد الجيوش, لأنه يعرف أن الزمان ضنين بأن تلد الأمهات كثيراً من أمثال الكميت وحسان أَو مونتيسكيو وشيللار.
وكذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد المختصة ما بين الإنسان وربه, لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة, وإنما يتلهى بها المتهوسون للعلم حتى إذا ضاع فيها عمرهم, وامتلأتها أدمغتهم, وأخذ منهم الغرور ما أخذ, فصاروا لا يرون علماً غير علمهم, فحينئذ يأمن المستبد منهم كما يؤمَن شر السكران إذا خمر. على أنه إذا نبغ منهم البعض ونالوا حرمة بين العوام لا يعدم المستبد وسيلة لاستخدامهم في تأييد أمره ومجاراة هواه في مقابلة أنه يضحك عليهم بشيء من التعظيم, ويسدُّ أفواههم بلقيمات من فتات مائدة الاستبداد؛ وكذلك لا يخاف من العلوم الصناعية محضاً لأن أهلها يكونون مسالمين صغار النفوس, صغار الهمم, يشتريهم المستبد بقليل من المال والإعزاز؛ ولا يخاف من الماديين لأن أكثرهم مبتلون بإيثار النفس, ولا من الرياضيين لأن غالبهم قصار النظر.
ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية, والفلسفة العقلية, وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع, والسياسة المدنية, والتاريخ المفصل, والخطابة الأدبية, ونحو ذلك من العلوم التي تكبِّر النفوس وتوسِّع العقول وتعرِّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها وكيف الطلب, وكيف النوال, وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبد من أصحاب هذه العلوم المندفعين منهم لتعليم الناس بالخطابة أَو الكتابة وهم المعبَّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى: ,أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ- , وفي قوله: ,وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ-, وإن كان علماء الاستبداد يفسرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبد, كما حوَّلوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إِلى التشويش على المستبدين.
والخلاصة أن المستبد يخاف من هؤلاء العلماء العاملين الراشدين المرشدين, لا من العلماء المنافقين أَو الذين حفر رؤوسَهم محفوظاتٌ كثيرة كأنها مكتبات مقفلة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر تفسير الحزب الأول... سورة البقرة الجزء الأول

الجزء الأول من القران: هذا الجزء مكون من ثمانية أرباع: - ربع الحزب الأول: يتكلم عن أصناف الناس وكأننا نستعرض الأصناف الموجودة على هذه الأرض والتي سيكلف أحدها بالإستخلاف. - الربع الثاني: أول تجربة إستخلاف على الأرض: آدم عليه السلام. - الربع الثالث إلى السابع: أمة استخلفها الله على هذه الأرض لمدة طويلة وفشلت في المهمة، بنو إسرائيل.  - الربع الثامن والأخير: تجربة سيدنا إبراهيم عليه السلام الناجحة في الإستخلاف.  تجربة سيدنا آدم تجربة تمهيدية تعليمية، وكانت المواجهة بين إبليس وسيدنا آدم عليه السلام لإعلان بداية مسؤولية سيدنا آدم وذريته عن الأرض. ثم بنو إسرائيل: نموذج فاشل، فهم أناس حملوا المسؤولية وفشلوا، وتستمر السورة في ذكر أخطائهم لا لشتمهم ولكن ليقال للأمة التي ستستخلف: تنبهي من الوقوع في الأخطاء التي وقعت فيها الأمة التي قد سبقت في الاستخلاف! وآخر ربع يضرب الله به المثل بالتجربة الناجحة لشخص جعله الله خليفة في الأرض وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام. ويكون الترتيب هذا منطقياً، فبدأَ بآدم التجربة الأولى وختم بالتجربة الناجحة لرفع المعنويات وبينهم التجربة الف...

عدي أوبيهي، رجل واحد لخص حقبة حرجة في تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال

عدي أوبيهي، رجل واحد لخص حقبة حرجة في تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال. بطل مسلسل خمسينات وستينات القرن الماضي. عند اسمه تتقاطع أحداث كبرى هزت تاريخ المغرب، بداية من عد الأنفاس الأخيرة للفرنسيين في المغرب، مرورا بالصراعات على السلطة بين القصر والاستقلاليين والشوريين وزعماء جيش التحرير، وصلا إلى التمهيد لثورة أمازيغية فككت شفرة الاجتياح القومي الناصري للمغرب بداية الستينات. "أوال" تقتحم أسطورة عدي أوبيهي، وتكشف علاقته المثيرة بالاستعمار الفرنسي والقصر ورجال السياسة،وتحكي وقائع الحرب الخفية بين "الأمازيغ" و"الفاسيين".  قصة عدي أوبيهي لها عدة بدايات، ومراحل حياته كلها إثارة. هو كتاب مشوق تحمل تفاصيله الدقيقة حقائق قلبت تاريخ المغرب، بداية من لحظة ولادته بهضاب قصر السوق (الراشيدية)، وتحديدا بقرية "كراندو"، حيث استنشق أول نفحات الانتماء الأمازيغي الجارف، وصولا إلى توليه عاملا على تافيلالت. حيث ستبدأ حكاية أخرى من تاريخ هذا الرجل الأسطوري. في مستشفى المجانين ينتمي عدي أوبيهي إلى أسرة قايدية عريقة حكمت حدود منطقة الراشيدية وتافيلالت برمتها....

أردوغان: كنت خادما للشعب ولم أكن يوما سيدا عليه

أردوغان: كنت خادما للشعب ولم أكن يوما سيدا عليه قال رئيس الوزراء التركي "رجب طيب أردوغان": إن "السياسة هي فن إدارة الشعوب"، مضيفا "لقد خدمت الشعب التركي من عمر 18 حتى وصلت الـ60 بمنطق الخادم، ولم أكن يوما سيدا عليه". جاء ذلك في الكلمة التي ألقاها رئيس الحكومة التركية، مساء اليوم السبت، عقب مشاركته في إفطار نظمته بلدية ولاية "صامصون" شمال تركيا، والتي أوضح فيها أن"خدمة الشعب كانت بمثابة القوة الت ي تميزنا وتفوقنا بها على الآخرين، لأن خدمة الخلق من خدمة الحق، وبخدمتنا لشعبنا تحققت لنا البركة في كل شيء". وقال "تركيا بصدد دخول عهد جديد من خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة التي سيختار فيها الشعب ولأول مرة في تاريخ البلاد رئيسه عبر انتخابات حرة مباشرة"، مشيرا إلى أن "العدالة والتنمية" سيؤكد خلال تلك الانتخابات مدى حجم الفروق الكائنة بينه وبين الأحزاب الأخرى، كما "حدث وأن أثبتنا ذلك في الانتخابات المحلية الماضية". وأضاف قائلا "والانتخابات الرئاسية المقبلة ليست امتدادا للانتخابات المحلية الماضية فحسب، وإنما ست...