التخطي إلى المحتوى الرئيسي
في بدايات الربيع العربي، قدم فريق الطغاة العرب، في البلدان التي ثارت شعوبها على الظلم والاستبداد والفقر، خطاباً واحداً في مواجهة هذه الاحتجاجات، اختصره معمر القذافي في سؤاله الشهير من أنتم، والذي عبر عن الصدمة من هذه الهبة الشعبية المباغتة من الشعوب العربية. ومن بين الحكام العرب، رجل واحد هو العاهل المغربي محمد السادس، تعامل بشكل مغاير شكلاً ومضموناً مع حالة الاحتجاج في بلده، وملك المغرب لا يمكن ضمه إلى فريق الطغاة والمستبدين العرب، فقد شهد عهده انفتاحاً واضحاً وتغييراً كبيراً عن العهد الذي سبقه، بل إن محاولة جادة جرت للتكفير عن ذنوب ذلك العهد وأخطائه، وفي بدايات 2011 تكرر الأمر ثانية، خطاب تاريخي وتعديلات كبيرة في النظام الدستوري، كانت كفيلة باحتواء المطالبات الشعبية، ولو مؤقتا. ما جرى في المغرب ليس نهاية المشوار، ولا يمكن القول إنه حقق مطالب المغاربة في بلادهم، لكننا، اليوم، أمام عملية تحول ديمقراطي واضحة المعالم، وتستطيع الجزم بما ستفضي إليه في قادم الأيام، قد يستغرق الأمر وقتاً طويلا، لكن العجلة دارت، والمشاركة الشعبية الفاعلة تمت، ومهما كانت الصعوبات والعقبات، فإن تجاوزها لا يحتاج ثورة شعبية عارمة، وهدماً للنظام القائم. وهذا بالضبط ما أشار إليه رئيس الوزراء المغربي، عبد الإله بنكيران، وهو رئيس حزب العدالة والتنمية الإسلامي، أكبر الأحزاب السياسية في البلاد، في قوله إن بلاده استطاعت أن تقدم نموذجا لتحول ديمقراطي، ضمن استقرار البلاد خلال موجة الربيع العربي. والعاهل المغربي يزور تونس هذه الأيام، وسيلقي خطابا أمام المؤتمر الوطني التأسيسي، ما يعني أن ملكاً عربياً يعترف بالثورة الشعبية التي حدثت في البلاد المجاورة له، ويقبل بهذا الواقع، ويتعامل معه، ولا يتآمر عليه، ولا يرى فيه خطراً، خصوصاً بعد قيامه بإصلاحات جزئية، تشكل حماية لنظامه وحكمه من الثورات التي تقتلع، ولا تذر شيئا. وهذا هو النموذج الذي يقدمه الرجل، وليس النموذج الأول كما عرضنا في صدر المقال، وهنا، يفرح المرء لوجود نظام حكم عربي، يتصرف بشكل بشري، وبطريقة توحي بالقدرة على التكيف والمواءمة، والتطور بشكل معقول مع الأحداث، ما يمثل حالة نادرة في عالمنا العربي، الذي تقدم فيه معظم أنظمة الحكم أمثلة حية على انعدام الذكاء وقلة الحيلة، والجنوح إلى الممارسات والخيارات الخطأ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر تفسير الحزب الأول... سورة البقرة الجزء الأول

الجزء الأول من القران: هذا الجزء مكون من ثمانية أرباع: - ربع الحزب الأول: يتكلم عن أصناف الناس وكأننا نستعرض الأصناف الموجودة على هذه الأرض والتي سيكلف أحدها بالإستخلاف. - الربع الثاني: أول تجربة إستخلاف على الأرض: آدم عليه السلام. - الربع الثالث إلى السابع: أمة استخلفها الله على هذه الأرض لمدة طويلة وفشلت في المهمة، بنو إسرائيل.  - الربع الثامن والأخير: تجربة سيدنا إبراهيم عليه السلام الناجحة في الإستخلاف.  تجربة سيدنا آدم تجربة تمهيدية تعليمية، وكانت المواجهة بين إبليس وسيدنا آدم عليه السلام لإعلان بداية مسؤولية سيدنا آدم وذريته عن الأرض. ثم بنو إسرائيل: نموذج فاشل، فهم أناس حملوا المسؤولية وفشلوا، وتستمر السورة في ذكر أخطائهم لا لشتمهم ولكن ليقال للأمة التي ستستخلف: تنبهي من الوقوع في الأخطاء التي وقعت فيها الأمة التي قد سبقت في الاستخلاف! وآخر ربع يضرب الله به المثل بالتجربة الناجحة لشخص جعله الله خليفة في الأرض وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام. ويكون الترتيب هذا منطقياً، فبدأَ بآدم التجربة الأولى وختم بالتجربة الناجحة لرفع المعنويات وبينهم التجربة الف...

عدي أوبيهي، رجل واحد لخص حقبة حرجة في تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال

عدي أوبيهي، رجل واحد لخص حقبة حرجة في تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال. بطل مسلسل خمسينات وستينات القرن الماضي. عند اسمه تتقاطع أحداث كبرى هزت تاريخ المغرب، بداية من عد الأنفاس الأخيرة للفرنسيين في المغرب، مرورا بالصراعات على السلطة بين القصر والاستقلاليين والشوريين وزعماء جيش التحرير، وصلا إلى التمهيد لثورة أمازيغية فككت شفرة الاجتياح القومي الناصري للمغرب بداية الستينات. "أوال" تقتحم أسطورة عدي أوبيهي، وتكشف علاقته المثيرة بالاستعمار الفرنسي والقصر ورجال السياسة،وتحكي وقائع الحرب الخفية بين "الأمازيغ" و"الفاسيين".  قصة عدي أوبيهي لها عدة بدايات، ومراحل حياته كلها إثارة. هو كتاب مشوق تحمل تفاصيله الدقيقة حقائق قلبت تاريخ المغرب، بداية من لحظة ولادته بهضاب قصر السوق (الراشيدية)، وتحديدا بقرية "كراندو"، حيث استنشق أول نفحات الانتماء الأمازيغي الجارف، وصولا إلى توليه عاملا على تافيلالت. حيث ستبدأ حكاية أخرى من تاريخ هذا الرجل الأسطوري. في مستشفى المجانين ينتمي عدي أوبيهي إلى أسرة قايدية عريقة حكمت حدود منطقة الراشيدية وتافيلالت برمتها....

أردوغان: كنت خادما للشعب ولم أكن يوما سيدا عليه

أردوغان: كنت خادما للشعب ولم أكن يوما سيدا عليه قال رئيس الوزراء التركي "رجب طيب أردوغان": إن "السياسة هي فن إدارة الشعوب"، مضيفا "لقد خدمت الشعب التركي من عمر 18 حتى وصلت الـ60 بمنطق الخادم، ولم أكن يوما سيدا عليه". جاء ذلك في الكلمة التي ألقاها رئيس الحكومة التركية، مساء اليوم السبت، عقب مشاركته في إفطار نظمته بلدية ولاية "صامصون" شمال تركيا، والتي أوضح فيها أن"خدمة الشعب كانت بمثابة القوة الت ي تميزنا وتفوقنا بها على الآخرين، لأن خدمة الخلق من خدمة الحق، وبخدمتنا لشعبنا تحققت لنا البركة في كل شيء". وقال "تركيا بصدد دخول عهد جديد من خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة التي سيختار فيها الشعب ولأول مرة في تاريخ البلاد رئيسه عبر انتخابات حرة مباشرة"، مشيرا إلى أن "العدالة والتنمية" سيؤكد خلال تلك الانتخابات مدى حجم الفروق الكائنة بينه وبين الأحزاب الأخرى، كما "حدث وأن أثبتنا ذلك في الانتخابات المحلية الماضية". وأضاف قائلا "والانتخابات الرئاسية المقبلة ليست امتدادا للانتخابات المحلية الماضية فحسب، وإنما ست...